متصل: خبرٌ كاذب، أزمة مصادر!


إنه القرن الواحد وعشرين، الجميع مُتصل، بتلفازٍ يَهِبُك العالم على طبقٍ وأنت في غرفة نومك مُستلقٍ تذهب الوحدة في خبر كان، أو اتصالٌ بالانترنت يجعلك تنفذُ إلى أعماق الخبر بكبسةِ زر، بثٌ مُباشر، حوارٌ إذاعيّ، آلافٌ من المنصات الإعلامية، أن تسمع وأن ترى، أن تكون في الحدث، هو دين هذا العصر؛ الدين الذي أكفُر به.

كيف أنا مُتَّصلٌ بالعالم إذن؟
بالبحث والقراءة.

أنا أؤمن إيمانًا عميقًا بأن اتصالك بالعالم عبر القراءة والبحث هو منهجٌ صحيٌّ للغاية، إذا كان الإنسان غير قادر على الاتصال بالعالم الخارجي إلا عن طريق التلفاز أو الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، فهذا يعني أنه ليس أكثر من مُستهلك؛ مُستهلكٌ للأخبار، مُستهلكٌ لنزعات العصر وميولاته مهما شذّت، ومُستهلكٌ لتفاهات مواقع التواصل الاجتماعي. نُريد أن نخرج من عقلية المستهلك إلى عقلية الباحث، إن نجاح خطوتنا العلمية القادمة نحو الأمام، منوطٌ بهذه القفزة.

إنك إذا عوّدت عقلك على تلقّي الأخبار والخضوع لمُعطياتها مباشرةً، ستُحاصره في وضع "المتلقّي"، وهكذا؛ سوف تُضيّع المغامرات المعرفية التي لا يُمكنك خوضُها إلا إذا كسرت هذا الحصار وانتقلت بنفسك إلى وضع "المفكر الناقد".

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا"
سورة الحُجرات، الآية 6

إنه لأمرٌ جلَلٌ أيها القارئُ الطيّب، لأنك إذا لم تكن قادرًا على التفكير، فسيكون هناك آخرون يُفكرون مكانك، ولأنهم نالوا هذا المنصب العظيم، فسينالون المنصب الأعظم منه، وهو منصب اتخاذ القرارات مكانك. هذا داءٌ أحسبه كائنًا منذ الأزل، ولكنّي موُقنٌ أنه لم يطغى إلا في عصرنا هذا؛ إذ لديك فئةٌ قليلةٌ من الناس، تقرأُ وتُفكر، يُسميهم المُجتمع بالنُخبة، وتُسميهم الشريعة بالخاصة، وهؤلاء هم من يتخذون القرارات للغالبية العُظمى من الناس، هذه الغالبية، التي نُسميها العامة، لا تُجيد شيئًا غير التلقّي والخُضوع، وهكذا نجدُ أن مصير العامة واقعٌ دومًا تحت رحمة ضمير الخاصة.  

لكن، لننسى المجتمع قليلا، ولنركز على الفرد، أوليس المجتمع غير مجموعة من الأفراد مُجتمعين؟ على هذه الأرضية المعرفية نطرح سؤال المليون دولار إذن: ما أهمية القراءة على مستوى الفرد؟ أو بصيغةٍ أعمق: لماذا اخترتُ القراءة كوسيلةٍ أتصل بها بالعالم؟ 

لا يهم كمّ المعلومات التي يُخزّنها عقلك، بل ما يهم هو مصدر المعلومات التي لديك، من أين جئتَ بها؟ هل المصدر موثوق؟ أي المعطيات التي بنيت عليها فهمك ومعرفتك؟ وهل هذه المعطيات سليمة ومنطقية، وهل هي من مصادر موثوقة كذلك؟ كل هذه أسئلة تحتاج أن تُجيب عليها، المصدر الذي حصلت منه على المعرفة التي لديك الآن، هو ما يحدد قيمة هذه المعرفة، هل - هذه المعرفة -  تستحق أن تبقى في العقل والذاكرة؟ أم يجب أن تُرمى في قُبورِ الذاكرة؟ وصدّقني عندما أقول: أنه في كثيرٍ من الأحيان، المعرفة التي نظن أنها ثابتةٌ بالحقيقة التي لا تتزعزع، وبالمنطق الذي لا يُجادل فيه، هي مجرّد أوهام، معرفة باطلة، لا أساس لها من الصحة. 

المعرفة الحقة هي التي تقود العقل نحو الفهم الصحيح لهذا العالم، ونحو التواصل السليم معه، وهذه المعرفة لن توجد في التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي، فكل ما تُقدمه هذه الوسائل هو: كلام كثير، معرفةٌ قليلة. 

وقد أثبتت الدراسات أن إبقاء النفس مُتحفّزة عقليا (أو ببساطة: إستعمال العقل) قد يؤخر أو حتى يمنع الإصابة بالزهايمر والخرف، تمامًا كما حكيتُ في السابق عن وضع "المفكر الناقد"؛ إبقاء عقلك نشِطًا والمحافظة على هذا النشاط سيَحُولُ دون فقدان العقل لقوته، كأي عضلةٍ في الجسم، العقل يحتاج مِرانًا حتى يبقى قويا وسليما، أي شيء غير عبارة "إستخدمه أو استغني عنه" غير مُجدٍ في هذا السياق. أن تتصل بالعالم فتعلم ما يحدث، ليس مثل أن تتصل به فتفهم ما يحدث. 

في أحداث الجزائر الأخيرة، في خضّم أمواج الحراك الشعبي المُبارك، استطعت أن أرقب تُقلّبات الجمهور عن قُرب، ورأيت كيف أن آراء البعض منهم تُوَجَّه عن طريق منشوراتٍ في الفيسبوك، وتغريداتٍ في تويتر، ولا يُعلم حتى من صاحبها. انقسمت الآراء، ولم تنقسم لأن أصحاب الرأي والرأي الآخر بَنَوْا استنتاجاتهم من معطياتٍ جمعوها من مصادر موثوقة، بل هي استنتاجاتٌ بُنيت على منشوراتِ فيسبوك وتغريدات تويتر. هذه ميزة تُميّز هذا العصر بالذات، جعلت الشعوب نادِرًا ما تقف على أرضٍ معرفية ثابتة. ونفس الشيء حدث في انتخابات 2016 في الولايات المتحدة؛ أين تم توجيه رأي الناس من طرف حساباتٍ وهميةٍ في الفيسبوك وتويتر تُسيّرها المخابرات الروسية بالذات، وُجّهت الاصوات نحو دونالد ترامب، واستطاع الرّوس بعدما نشروا معلومات كاذبةٍ عن هيلاري كلينتون بهدف ضرب مصداقيتها وزعزعة الثقة بينها وبين الجمهور، أن يُحقّقوا مُرادهم.   

من الآمن إذن أن نقول أن مصداقية الوسائل والطرق التي تُستخدم في التواصل مع العالم لها دورٌ مصيريٌّ في خريطة الأحداث، وفي قيمة ونوعية اتصال الفرد مع العالم. وإذا لم يتم فحصُها والتأكد منها، فسيقع العامة ضحيةً لوسائل إعلام اليوم، التي ليست إلا آلاتٌ للكذب والتدليس والخداع، لهذه الأسباب بالذات؛ اتخذت القراءة وسيلةً أتصل بها مع العالم.  


نتمنى أن يكون المقال قد أعجبك! 
رجاءًا تفضل بالاشتراك في قناتنا على تلجرام 
حتى تصلك أحدث المقالات والمنشورات المفيدة أول بأول!


إرسال تعليق

2 تعليقات

  1. رااائع ما شاء الله أسلوب توجيهي مقنع للغاية وألفاظ مختارة بعناية موفق ان شاء الله

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا على كلامك الجميل، جزاك الله خيرا

      حذف