أطفال العراق إلى الآن يدفعون ثمن الغزو الأمريكي

مصدر الصورة

لقد مرّ أكثر من عقدٍ ونصف على الغزو الأمريكي للعراق (2003)، ومع ذلك فقد أكدت دراسة جديدة أن الأطفال حديثي الولادة اليوم يعانون من عيوبٍ خلقية مُروعة، أسبابُها مُرتبطةٌ بالوجود العسكري الأمريكي في العراق.

أجرى فريق من الباحثين الطبيين المستقلين دراسة في مستشفى بنت الهدى للأمومة، على بعد حوالي 10 كيلومترات من قاعدة طليل الجوية، وهي قاعدة يديرها التحالف العسكري الأجنبي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، خُصصت الدراسة لتحليل التشوهات الخلقية التي رُصِدت لدى الأطفال العراقيين المولودين بالقرب من قاعدة "طليل الجوية"، فقام الفريق بتحليل 19 طفلاً ولدوا يعانون من عيوب خلقية خطيرة وقارنوهم مع مجموعة من عشرة أطفال أصحاء حديثي الولادة، نُشِرت الدراسة  في مجلة "التلوث البيئي".

ووفقاً للدراسة، فإن الأطفال الذين يعانون من عيوب خلقية حادة - بما في ذلك المشاكل العصبية وأمراض القلب الخلقية والأطراف المشلولة أو المفقودة - في أجسامهم مستويات مرتفعة من مُرَكَّب إشعاعي يعرف باسم الثوريوم.

ولقد قالت السيدة موزجان سافابياسافاني، وهي أحد الباحثين البارزين في هذه الدراسة: "لقد جمعنا عينات عديدة من الشعر والأسنان المتساقطة وعينات من نخاع العظم لأشخاص يعيشون بالقرب من القاعدة، وفي هذه الأنسجة الثلاث كنا دئما نجد مستوياتٍ مرتفعةٍ من الثوريوم".

سافابياسفهاني التي قضت سنوات عديدة في تأليف دراسات عن الآثار الإشعاعية للوجود العسكري الأمريكي في العراق، أكدت أن هذه النتائج الجديدة ما هي إلا دليلٌ على التأثير الصحي الخطير وطويل الأمد للعمليات العسكرية الأمريكية ضد المدنيين العراقيين.

صحيحٌ أن جميع الأنشطة العسكرية الصناعية ضارة بالنُظُم البيئية، ولكن أنشطة الجيش الأمريكي بالأخص دائمًا ما تُخلّف أضرارًا بيئية أكبر، خاصةً وأن هذا الجيش الهائل مُتَوّرطٌ في أنشطة تمتد إلى جميع أنحاء العالم.

إن وجوده الضخم في جميع أنحاء العالم يترك آثارًا سامة من المواد الكيميائية والتي يتعين على المجتمعات المحلية التعامل معها،ومثال ذلك ابتداءًا مع ما يسمى بحفر الحرق وهي حرائق سامة في الهواء الطلق تستخدم للتخلص من النفايات العسكرية، إلى إشعاعات اليورانيوم المنضب، وهو غاز سام يؤثر في الحمض النووي للكائنات الحية.

إن معاناة الشعب العراقي حادة بشكل خاص؛ فقد ارتفعت معدلات الإصابة بالسرطان والإجهاض والتسمم الإشعاعي في أماكن عديدة وخاصةً في مدينة الفلوجة التي كان لها نصيبٌ كبيرٌ من الهجمات الأمريكية خلال عملية غزوها للبلاد. 

يواجه الأطباء بانتظام حالات تشوه عند الأطفال، وهي شنيعة لدرجة أن الأطباء لا يستطيعون حتى العثور على حالات سابقة أو مشابهة لها، لقد نشرت الحرب الكثير من الإشعاعات الضارة، واذا لم يتم تطهير البلاد منها فمعاناة العراقيين ستسمر لأجيال. 
مصدر الصورة

بالإضافة لحُفَر الحرق، فإن معظم هذه الآثار الصحية السلبية للحرب الأمريكية في العراق تُعزى إلى الاستخدام المتكرر للذخائر المحتوية على اليورانيوم المنضب وهو يعد أثرًا جانبيًّا لاضمحلال اليورانيوم المستخدم في تشغيل المفاعلات النووية.

يعتبر اليورانيوم المنضب مادة فعالة في تدمير المركبات المدرعة، فهو حين يصطدم بدرع الدبابة ترتفع درجة حرارة القذيفة إلى مستويات عالية تجعل الدرع ينصهر إلى جزيئاتٍ صغيرةٍ جدا يحملها الريح مع ذرات الغبار، ثم إن هذا الغبار له عواقبٌ وخيمةٌ ويشكل خطراً على البيئة وعلى المدى البعيد؛ فإنه يؤثر على صحة الناس الذي يعيشون بالقرب من الأماكن التي استُخدمت فيها هذه الذخائر. 

إن اليورانيوم والثوريوم كانا المحور الرئيسي لهذه الدراسة، والادلة تؤكد حدوث حالات تَشَوُّهٍ خَلْقِيٍّ في ذرية الأشخاص المُعَرّضِين لليورانيوم وأشكاله الأخرى، وبعبارة أخرى: كلما كنت قريبا من هذه الأسلحة الأمريكية، كلما زاد احتمال إنجابك لأطفالٍ يعانون من تشوهات خَلْقِيّةٍ ومشاكل صحيّةٍ أخرى.

ورداً على الاحتجاجات التي طالت وزارة الدفاع الأمريكية بشأن استخدامها لهذا الإشعاع المدمر، تعهد الجيش الأمريكي بعدم استخدام قذائف اليورانيوم المنضب في قصفه ضد جماعة الدولة الاسلامية في العراق وسوريا، ولكن على الرغم من هذا التعهد، خلص تحقيق في عام 2017 من قبل مجموعة الابحاث المستقلة "AirWars"، ومجلة السياسة الخارجية "Foreign Policy" أن الجيش الأمريكي ظل يستخدم في جولاته القذائف المحتوية على هذا المُرَكّبِ السام.

إن خطر استخدام أسلحة اليورانيوم المنضب لا يقتصر فقط على المدنيين الذين يعيشون بالقرب من مناطق الصراع، ولكنها خطيرةٌ أيضًا على أفراد الجيش الأمريكيي الذين شاركوا في هذه الصراعات، إن الأمراض المزمنة التي عانى منها الجنود الأمريكيون خلال حرب العراق عام 1991 غالبًا ما كان سببها التعرض لذخائر اليورانيوم وغيرها من المواد الكيميائية السامة، وقد تم تصنيف هذه الامراض بالفعل على أنها حالة تُعرف باسم "متلازمة حرب الخليج".

لم تبدِ الحكومة الأمريكية اهتمامًا بتأثير الاشعاعات الكيمياوية على العراقيين، إن لاستخدام "حفر الحرق" وأسلحة اليورانيوم المنضب إلى جانب الملوثات الأخرى تأثير دائم على صحة الأجيال العراقية الحالية والمستقبلية.

وقال الباحثون أنه من الضروريّ جدًّا إجراء دراسة أوسع للحصول على نتائج نهائية حول هذه الآثار الصحية.

من الممكن تطهير العراق من هذه الاشعاعات التي خلّفها الجيش الأمريكي إذا كان هناك مسؤولون يريدون ذلك حقا، ولكن ولسوء الحظ، حتى الدراسات والابحاث المتعلقة بمشكلة التشوهات الخلقية في العراق يجب أن تتم من قبل العلماء المستقلين، لأن الجيش الأمريكي والمؤسسات الحكومية الأخرى لا تُعير ببساطة هذه المسألة أي اهتمام.

وإذا استمر الأمر على هذه الحال، بدون أن تبذل الحكومة الأمريكية أدنى جهدٍ لتنظيف المكان من مُخلّفاتها الإشعاعية، سيظل الأطفال في العراق يدفعون ثمن الغزو الأمريكي.


هذا المقال هو ترجمة بتصرف لمقال Children Born With Deormities Near U.S Military Base . Show Elevated Rates of Serious Congenital Deformities, Study Finds. لكاتبه مُرتضى حُسن. الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن توجهات مجلة يقظة. 

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. ومن حاسب المجرمين على جرائم خربهم ومن عوض الابرياء والاجيال عن ما ضاع!!!

    ردحذف