جائزة نوبل. مخيم اغتصابٍ في البوسنة. بيتر هاندكه

فندق فيلينا فلاس، أين تعرض مسلمو البوسنة للتعذيب والقتل والاغتصاب (مصدر الصورة)


ماذا يعني أن تقضي ليلةً في فندق فيلينا فلاس في البوسنة؟

الإجابة على هذا السؤال، الذي قد يبدو غريبًا نوعًا ما، سوف تُظهر مقدار الانهيار الأخلاقيّ والفكريّ الذي تُعاني منه الأكاديمية السويدية، المُكلّفة منذ عام 1901 بإعطاء جائزة نوبل للآداب، والتي أعطتها هذا العام (2019) للكاتب النمساوي بيتر هاندكه، الذي كتب في سنواته الأولى في الأدب جملةً من الأعمال الرائعة، لكن منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي (1995) أصدر، في سلسلة من الكتب، موقِفًا مُعيبًا حول حرب البوسنة وصل حد إنكار الإبادة الجماعية التي تعرّض لها مسلمو البوسنة على يد جيوش الصّرب.

تقع القصة في أطراف بلدة فيشيغراد في البوسنة، في غابةٍ هناك في الهامش، أين يقع فندق فيلينا فلاس. يتمتع الفندق بمنتجعٍ صحيّ، مما جعل منه مكانًا جميلًا وهادئًا للإقامة. لكن هناك استثناء واحدٌ؛ في عام 1992، تم تحويل هذا الفندق إلى معسكرٍ للاغتصاب من قبل الصرب الذين كانوا يهدفون إلى تطهير فيشيغراد من مسلميها بقتل الرجال وجلب النساء لمعسكر فيلينا فلاس واغتصابهن ثم قتلهن.

يُعدّ فندق فيلينا فلاس فاجعةً من فواجع العصر، الفظائع والجرائم التي ارتُكبت فيه قد فُصّلت تفصيلًا في مقالاتٍ صدرت في صحف التسعينيات، كما ذُكِرت في محاكمات جرائم الحرب التي قدّم فيها الناجون شهاداتٍ مُرَوّعة عن عمليات الاغتصاب.

كان الاغتصاب حاضرًا دومًا في سلسلة الجرائم التي ارتكبها الصرب، وأدى ذلك إلى سلسلة من الأحكام ضد العنف الجنسي في المحكمة الجنائية الدولية في يوغسلافيا السابقة.

على الرغم من أن غالبية سكان فيشيغراد - قبل الحرب - كانوا مسلمين، إلا أن مشروع الصرب في التطهير العرقي كان ناجِحًا، المسلمون في فيشيغراد قُتلوا، عُذِّبوا، تعرّضوا للاغتصاب، كما طُرِدوا من الأرض التي عاشوا فيها لقرون. لكن عملية التطهير العرقي ليست مبنية فقط على التخلص من البشر ـــ بل التخلص من البشر هو مجرد البداية، هذه الخطوة الأولى فقط. الخطوة الثانية هي طمس المعالم التي لها وزنٌ ولها معنى في وِجدان المُتَخَلَّص منهم، طمس كل ما يُشكّل هويتهم. ومن أجل هذا؛ دُمّرت المساجد ونُقلت أنقاضُها إلى مكانٍ آخر بعيد، لا يجب أن يبقى شيءٌ يُذكّر بالذين رحلوا.

وهناك خطوةٌ أخرى، وهي محو الذاكرة. بعد الحرب، وبعد أن أحكم الصرب قبضتهم على فيشيغراد أعادوا فتح فندق فيلينا فلاس الفخم، شُجِّع السياح الأجانب على المكوث في الفندق، بعضهم فعل. لا أعرف كم من هؤلاء الزوار عرف عن الجرائم التي وقعت في هذا الفندق أثناء الحرب، ولا أعرف كم منهم سمِع عن هذه الجرائم ولكن لم يصدق. لا يزال الكثير من الصرب ومؤيديهم يُنكرون جرائم الإبادة الجماعية التي ارتُكِبت خلال الحرب، ولكن الزوار جاؤوا إلى الفندق، وفي عام 1998، بيتر هاندكه كان أحدهم. 

لم نعلم سابقا عن زيارة بيتر هاندكه لهذا الفندق، ولكنني صادفت شيئًا أشار إلى هذه الزيارة في مقالةٍ مُبهمة نوعا ما في كتابٍ كتبه مُترجمه الأمريكي سكوت أبوت. اعتاد هاندكه السفر مع مجموعةٍ صغيرةٍ من المترجمين والأصدقاء، وسكوت أبوت كان واحدًا منهم. جاء في كتاب أبوت، أنهم في أواخر شهر ماي من عام 1998، زار هاندكه ورفاقه مكانًا وصفه أبوت بأنه "فندقٌ فخمٌ كبير، مدسوسٌ في التلال أعلى المدينة"، لم يذكر أبوت إسم الفندق ولكنه وصفه بأنه "منزلٌ غائمٌ يزوره الرجال إذا أرادوا أخذ فترة استراحةٍ من الحرب".

لقد زرتُ فيشيغراد مرتين في السابق، زيارتي الأولى لها كانت أثناء الحرب، والثانية كانت بعدها. في زيارتي الثانية، ذهبت إلى فندق فيلينا فلاس، لأني، أثناء هذه الحرب، كنت أكتب عن فتاةٍ مسلمةٍ تم اغتصابها هناك، كما تم اغتصاب أختها الصغيرة، ثم قُتلت بعدما انتهى الجنود الصرب منها. أردتُ رؤية المكان، وقد كان هناك، وسط الغابة، فندقٌ كبير، ليس للزوار الأجانب فقط، ولكن للصرب الباحثين عن "فترة نقاهة" أيضا. 

في فيشيغراد يوجد بعض الفنادق، ولكن لا أحد منها يُطابق الأوصاف التي قدّمها أبوت في كتابه، عندما تواصلت مع أبوت، قال أنه لا يتذكر إسم الفندق، ولكني وجدتُ شخصًا صادف أنه أقام في الفندق في نفس الوقت الذي أقام فيه أبوت وهاندكه، وعلى الرغم من أن هذا الشخص لم يستطع تذكر الإسم هو كذلك، إلا أنه استطاع التعرّف عليه من خلال صورٍ للفندق كُنت قد أرسلتها له. (هانكده لم يرد على رسائلي). 

كان هاندكه، في الوقت الذي زار فيه فيشيغراد (1998)، كاتبًا مشهورًا ومحبوبًا لدى الصرب. في عام 1996، أصدر كتابين أيّدا فيهما الرأي القوميّ الصّربي القائل بأن الفظائع التي ارتكبها الجيش الصربيُّ مشكوكٌ في صحّتها، وأنها مُبالغٌ فيها. كان هاندكه قد زار فيشيغراد سنة 1996، وعندما عاد مع رفقائه سنة 1998 وجد نفسه بطلًا في أعيُن الصرب. بل إن أبوت قد ذكر في كتابه كيف أن عمدة فيشيغراد، ألكسندر سافيتش، بنفسه استقبلهم. 

نحن نقترب أكثر من فهم ما يعنيه قضاءُ ليلةٍ في فندق فيلينا فلاس. 

من الصعب تخيّل أن هاندكه لم يكن يعلم بالفضائع التي كانت تحدث هناك في فيلينا فلاس. لقد زار الفندق مرّتين، وكتب كثيرًا بالتفصيل عن الإبادات الجماعية - التي شكّك فيها -، بل هناك فصلٌ في أحد كُتبه يسخر فيه من مقالٍ استقصائيٍّ كتبه الصحفي كريس هيدجز ونُشر في صحيفة نيو يورك تايمز. من المؤكد أن هاندكه أثناء قراءته للمقال قد مرّ على القصة التي رواها شاهدٌ عن مجرم الحرب ميلان لوكيتش، قال الشاهد: "لوكيتش وأتباعه كانوا يغتصبون الفتيات الأسيرات في الفندق"، كما روى عن امرأة اسمها جاسنا أحمد سفاهيتش، شابةٌ رمت بنفسها من نافذة من نوافذ الفندق فقتلت نفسها بعد أن عانت من الاغتصاب لأربعة أيامٍ متواصلة. 

الإجابة على السؤال الذي طُرح في فاتحة المقال؛ هاهي الآن أمامنا. 

ما يُعرف بالتطهير العرقيّ ليس عملًا بسيطًا أو فوريًّا. إذا أردت له النجاح، فعل العمل أن يكون مُستمرًّا ودائمًا، وذكرى ما حدث يجب أن تُنكر وتُردّ في كل الأوقات، حتى لا تعود فتُزعزع التاريخ الزائف الذي تحاول تأسيسه. إذا أقمت أو أنت الآن تقيم في فندق فيلينا فلاس بدون أن تعرف ما حدث من جرائم وفضائع في ذلك الفندق، فأنت - من غير قصدٍ - مُشارك في عملية محو الذاكرة. أما إن أقمت في هذا الفندق وأنت تعلم ما حدث فيه، فهذا يعني أنك شريكٌ في هذه الجريمة الأخلاقية المتمثلة في إنكار إبادةٍ جماعية تعرّض لها أُناسٌ أبرياء. 

لا يُمكنني إنهاء هذا المقال بدون التكلم عن شيءٍ لا بد وأنه قد صار واضِحاً الآن؛ الغضب العارم الذي أشعر به والذي سببه حقيقة أننا بعد 25 سنة من الحرب يتعين علينا العودة ومناقشة جرائمٍ قد أُثبتت بالفعل، المسائل المتعلقة بالفظائع والمجازر التي ارتُكبت في البوسنة قد تم حلها منذ زمنٍ طويلٍ في المحاكم والتحقيقات. ولكن بفضل الأكاديمية السويدية قد تم فتح هذا الملف مرة أخرى، لأن العمل الأدبي لأحد أبرز مُنكريّ هذه المجازر قد تمت المصادقة عليها بجائزة نوبل. إن الشهود والناجون من القتل والتعذيب قد تلقو، مرة أخرى، ضربة موجعة من العالم المتحضر المزعوم، الذي ظل لسنواتٍ طويلةٍ لا يرفع يدًا لمساعدتهم خلال الحرب. يجب علينا أن نُعاود الدفاع عن قضيتنا. 

إن العالم المتحضر لا يهتم، ولن يهتم بحجم المعاناة التي يُعانيها الآخرون، ليس لشيءٍ إلا لأنهم خارج دائرته الساحرة، بسبب عرقهم أو معتقداتهم. بعد ارتكابها هذا الخطأ الفظيع، لا يبدو أبدا أن الأكاديمية السويدية مُستعدة أو لها أية نزعة لإرجاع هاته الأكاذيب إلى المقبرة، لا يزال بإمكانهم إلغاء جائزة نوبل التي مُنحت لهاندكه ـــ الحفل الرسميّ سيُقام في 10 ديسمبر ـــ ولكن الظاهر أنهم لن يفعلوا هذا، لأنهم، ببساطة، عاجزين عن إدراك آلام الآخرين. 


هذا المقال هو ترجمة بتصرف لمقال The Nobel Prize, a Rape Camp in Bosnia, and Peter Handke. لكاتبه بيتر ماس. الآراء الواردة في النص لا تعبر بالضرورة عن توجهات المجلة. 

إرسال تعليق

0 تعليقات