سلطة الجموع.. مدى تأثير الجماعة على رأي الأفراد



قد يحدث أن تُناقش شخصًا في موضوع يخص عادة اجتماعية انتشرت في المجتمع و هي عادة ليست جيدة ، لكنك  تجد الشخص الذي تحاوره يقول لك :- أنا لا يهمني ذلك الأمر ، و أنا لا أنساق مع القطيع بل حتى لا يهمني رأي الجماعة  إن كان على خطأ و لن أتأثر به .

شخص كهذا تتمنى لو أن كلامه صحيحًا و أنه و بالفعل إنسان لا يتأثر برأي الجماعة ، إلا أن الواقع يثبت ما هو عكس ذلك و هناك تجربة شهيرة قام بها " سولومن آش " وقد أطلق على تجربته تجربة آش للامتثال .

بيّن آش في هذه التجربة أن الفرد ينساق خلف مجتمعه بطريقةٍ لا إرادية حتى ولو كان يبدي سخطه بل وحتى إن كانت جماعته على خطأ .

قام آش بجلب مجموعة من الطلاب ، و أخبرهم أنهم سيشاهدون خطًا مرسومٌ على ورقة و هذا الخط  له طولٌ معين ، ثم سيعطيهم بعدها ثلاثة خطوطٍ أحدها له نفس طول الخط الأول ، و عليهم إيجاده من بين الاختيارات الموجودة .
- في تجارب علم الاجتماع ، لا يدرك الشخص عادةً أنه هو الذي تُقام عليه التجربة، بل يعتقد أن كل المشاركين تقوم عليهم التجربة ، إلا أنه و في الواقع تقوم التجربة على شخصٍ واحدٍ فقط ، أما الباقون فهم ممثلون فقط - .

قام آش بجلب الأشخاص في خط واحد ووضع الذي تقام عليه التجربة في نهاية الخط . 

( سأطلق عليه الشخص س

بعد ذلك ، تم وضع الورقة  وعليها الخطوط أمام الجميع ، ثم بدأت التجربة بالشخص الأول و الانتقال بعدها إلى الشخص الثاني وصولًا إلى الشخص س و هو الذي تقام عليه التجربة كما ذكرت سابقًا .

لاحظ آش أن في التجربة الأولى قدم الممثلون إجاباتٍ صحيحةٍ و اختاروا الخط الصحيح و بالتالي انسجم الشخص س معهم و اختار مثلهم .
كرر هذا الأمر في المرة الثانية ، وفيها تعمد الممثلون إعطاء إجاباتٍ خاطئة ( كان الفرق بين الخطوط واضحًا بشكل يجبر الرائي أن يعرف الاختيار الصحيح دون أدنى ريب في اختياره ) ، لكن و على الرغم من شك الشخص س باختياراتهم إلا أن تأثير الجموع كان أقوى من تأثير رأيه فانساق لرأيهم و اختار مثلهم .

من هذه التجربة لاحظ آش أن 37% من المشاركين يتماشون مع الجميع و إن كان رأيهم صحيحًا ، بالمقابل 75% من الذين قامت عليهم التجربة قاموا بإعطاء إجابة خاطئة لسؤال واحد كأقل تقدير للانسجام مع المجموعة، تعتبر هذه الدراسة من الدراسات التي بالفعل توضح مدى تأثير سلطة الجماعة على رأي الأفراد حتى و إن كانت الجماعة على خطأ . 

الدكتور "جون ترنر" و معه الدكتور "تاجفيل " قاما بإنشاء نظريةٍ تخص تأثير الجموع و كونها بالفعل تحدد هوية الشخص بناءً على رأي مجتمعه السائد و قد أطلقا على هذه النظرية اسم ( الهوية الاجتماعية ) .
كان ملخص هذه النظرية هو أن الشخص عادة يقوم بتصنيف ما حوله من أشياء ثم يحدد هويته باعتماده على ذلك التصنيف، وهو الذي سيحدد للشخص مركزه ومكانته وبالتالي يحدد له طريقة تفاعله مع الآخرين؛ فتجد شخصًا يقول هذا سني و هذا شيعي و تجد تفاعل السنة مع بعضهم البعض يفوق التفاعل بين السني مع الشيعي، كذلك تجد أصحاب المذهب الشيعي يتفاعلون مع بعضهم البعض وينسجمون بشكل أكثر من انسجامهم مع أصحاب المذهب السني ، قس على ذلك الجنسيات ، بعض القبائل و غير ذلك .

بالتالي ، دفاعك باستماتةٍ عن جماعةٍ معينة و تحيزك الدائمُ لها لا يعني أن جماعتك على صوابٍ والجماعات الأخرى على خطأ ، بل يعني فقط أنك تنتمي إلى جماعة معينة ، و شعورك الدائم بالانتماء لها هو الدافع الذي يجعلك تقف حارسًا لها كارهًا امتعاضها أو التقليل منها .

و هذه المغالطة تسمى  ( الاحتكام على الاعتقاد العام أو الاحتكام إلى الأغلبية ) وهي سلطة لا تحتاج إلى سيل لا نهاية له من الحجج و البراهين لاثبات أو نفي أمر ما بقدر ما تحتاج لجمهور وثير يؤيد هذا الأمر أو ينفيه ، فالفكرة الوليدة تظل شاذّةً و مُحرّمةً لعدم توافقها مع المجتمع حتى تُنسب لفئاتٍ معينة من ذلك المجتمع ثم تُقبل بعد وجود مطبلين لها و بشكل وثير . 

ولعل الشخص إن أراد أن يخلق فكرةً في مجتمعٍ معين يكون  بحاجة إلى ثلاثة أبعاد :-

بعدٌ ديني ، بعدٌ اجتماعي ، بعدٌ نفسي .

 بمعنى ؛ أنه متى ما أراد الشخص أن يُحدث تغييرًا في مجتمعٍ ما فإنه يجب أن يأخذ في الحسبان هذه الأبعاد الثلاثة ، و لعلي أرى أن هذه الأبعاد هي الأهداف التي تحدث عنها البروفيسور (بلوم)  -مازحًا-  فقال : إنه لو أردنا أن نوحد العالم كله بكل أطيافه و فئاته و معتقداته لاحتجنا إلى غُزاةٍ من الفضاء ،ولكننا قد لا نحتاج لذلك إن وجدنا أهداف مشتركة يتشارك فيها الجميع .

إرسال تعليق

0 تعليقات